أحمد بن علي القلقشندي
66
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واجتهد في صيانة الممالك اجتهادا يحرس منها الأوساط والأطراف ، وتنتظم به أحوالها أجلّ انتظام وتأتلف أجمل ائتلاف . والوصايا كثيرة وأولاها تقوى اللَّه : فليجعلها حلية لأوقاته ، ويحافظ عليها محافظة من يتّقيه حقّ تقاته ؛ ويتّخذها نجيّ فكره وأنيس قلبه ، ويعظَّم حرمات اللَّه : * ( ومَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَه عِنْدَ رَبِّه ) * ( 1 ) . والشرع الشريف فهو لعقد الإسلام نظام ، وللدّين القيّم قوام ؛ فتجتهد في اقتفاء سننه ، والعمل بمفروضه ( 2 ) وسننه ؛ وتكريم أهله وقضاته ، والتوسل بذلك إلى اللَّه في ابتغاء مرضاته . وأمراء دولتك فهم أنصار سلفك الصالح ، وذو والنصائح فيما آثروه من المصالح ؛ وخلصاء طاعتهم في السّرّ والنّجوى ، وأعوانهم على البرّ والتقوى ؛ وهم الذين أحلَّهم والدك من العناية المحلّ الأسنى ، والذين سبقت لهم بحسن الطاعة من اللَّه الحسنى ؛ ولو لم يكن لهم إلَّا حسن الوفاء ، لكفاهم عندك في مزيد الاعتماد والاستكفاء ؛ فإنهم جادلوا في إقامة دولتك وجالدوا ، وأوفوا بالعهد فهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا ؛ وهم للوصايا بخدمتك واعون ، وفيما ائتمنتهم عليه لأماناتهم وعهدهم راعون ؛ قد أصفوا لك النّيّات بظهر الغيب ، وأخلصوا الطويّات إخلاصا لا شكّ معه ولا ريب ؛ ونابوا عنك أحسن مناب ، وكفّوا كفّ العدوّ فما طال له لا فترأس ولا اختلاس ظفر ولا ناب ؛ واتخذوا لهم بذلك عند اللَّه وعندك يدا ، وأثّلوا لهم به مجدا يبقى حديثه الحسن الصحيح عنهم مسندا . فاستوص بهم وبسائر عساكرك المنصورة خيرا ، وأجمل لهم سريرة وفيهم سيرا ؛ وأحمدهم عقبى هذه الخدمة ، وأوردهم منهل إحسان يضاعف لهم النّعمة
--> ( 1 ) الحج / 30 . ( 2 ) في مآثر : « بفروضه » .